٨٢٨
تعديل
Translation (نقاش | مساهمات) لا ملخص تعديل |
Translation (نقاش | مساهمات) لا ملخص تعديل |
||
سطر ٨: | سطر ٨: | ||
==السيرة الذاتية== | ==السيرة الذاتية== | ||
يحيى (ع) هو ابن النبي زكريا (ع)، وكان أيضًا ابن خالة النبي عيسى (ع). ووفقًا لبعض المؤرخين، وُلد يحيى بعد ستة أشهر من الحمل. ورد في قصة ميلاده أنّ والده زكريا (ع) كان عقيماً وقد بلغ سنّ الشيخوخة، فدعا الله أن يرزقه ولدًا، فبشّره الله بيحيى.<ref>عمادزاده، | يحيى (ع) هو ابن النبي زكريا (ع)، وكان أيضًا ابن خالة النبي عيسى (ع). ووفقًا لبعض المؤرخين، وُلد يحيى بعد ستة أشهر من الحمل. ورد في قصة ميلاده أنّ والده زكريا (ع) كان عقيماً وقد بلغ سنّ الشيخوخة، فدعا الله أن يرزقه ولدًا، فبشّره الله بيحيى.<ref>عمادزاده، حسين، تاريخ أنبياء، بدون مكان، إسلام، 1374، ص716–719.</ref> | ||
يحيى هو نفسه "يوحنّا المعمّدان" في التقليد المسيحي. ويعتقد بعض الباحثين أن "يحيى" هو الصورة المحرّفة لاسم "يوحنا".<ref> | يحيى هو نفسه "يوحنّا المعمّدان" في التقليد المسيحي. ويعتقد بعض الباحثين أن "يحيى" هو الصورة المحرّفة لاسم "يوحنا".<ref>خرمشاهي، قوام الدين، «يحيي»، دانشنامه قرآن وقرآن پژوهي (موسوعة القرآن والبحوث القرآنية)، إشراف: بهاءالدين خرمشاهي، ج2، ص2368 و2369.</ref> | ||
=== مكانته === | === مكانته === | ||
يعتبر يحيى عند المسيحيين ابن خالة عيسى (ع) ومُعَمِّده، حيث عمّد عيسى، وآمن به عندما أعلن نبوته. يُدعى يحيى في اللغات الأوروبية "جان".<ref> | يعتبر يحيى عند المسيحيين ابن خالة عيسى (ع) ومُعَمِّده، حيث عمّد عيسى، وآمن به عندما أعلن نبوته. يُدعى يحيى في اللغات الأوروبية "جان".<ref>رهبريان، محمد رضا، «يحيي»، دانشنامه معاصر قرآن كريم (موسوعة القرآن الكريم المعاصرة)، الإشراف العلمي: السيد سلمان صفوي، قم، سلمان آزاده، 1396، ص1183.</ref> ورد في الإنجيل أنّ يحيى هو نبي الله الذي صدّق المسيح (ع)، لكن هناك تناقضات في الأناجيل الأربعة بالنسبة لهاتين المسألتين. وهناك ثلاث قضايا رئيسية في تصديق يحيى لعيسى (ع) في الأناجيل: أولاً، أن يحيى (ع) وصف المسيح (ع) بأنه "ابن الله"، ثانيًا، أنه سمّاه "حمل الله" الذي يُضحّى به لغفران خطايا الناس، وثالثًا، أنّه أرسل تلاميذه للتحقق من المسيح (ع) وكأنّه لم يكن يعرفه. اشتهر يحيى (ع) في الأناجيل بـ"المعمّدان"، ونُسب إليه تعميد الناس. وقد مدحه المسيح (ع) مرارًا، ووردت إشارات إلى زهده وتقواه ومواعظه في الأناجيل.<ref>لطيفي امامي، مريم، بررسي زندگي وشخصيت حضرت زكريا ويحيي(ع) در قرآن وكتاب مقدس، رسالة الماجيستر، قزوين، جامعة الإمام الخميني الدولية،كلّية الإلهيات والمعارف الإسلامية، 1390.</ref> | ||
اعتبر الصوفية حال يحيى نموذجًا للكمال في الزهد والتقشّف، ودليلاً على الانغماس في الخوف والحزن في السير إلى الله. قال ابن عربي: لما كان يحيى موصوفًا بالانقباض والخوف والخشية، ومشهورًا بالحزن والبكاء والرهبة، لذلك كان يحيى مظهرًا لصفات جلال الله.<ref> | اعتبر الصوفية حال يحيى نموذجًا للكمال في الزهد والتقشّف، ودليلاً على الانغماس في الخوف والحزن في السير إلى الله. قال ابن عربي: لما كان يحيى موصوفًا بالانقباض والخوف والخشية، ومشهورًا بالحزن والبكاء والرهبة، لذلك كان يحيى مظهرًا لصفات جلال الله.<ref>رهبريان، محمد رضا، «يحيي»، دانشنامه معاصر قرآن كريم (موسوعة القرآن الكريم المعاصرة)، الإشراف العلمي: السيد سلمان صفوي، قم، سلمان آزاده، 1396، ص1184.</ref> | ||
وقد اشتهر بين الأنبياء أن يحيى (ع) كان يتأثر بالموعظة بسرعة شديدة، ويظهر عليه انفعال واضطراب عميق. حتى أن زكريا (ع) كان إذا أراد وعظ بني إسرائيل، ينظر يمينًا ويسارًا، فإذا كان يحيى حاضرًا، لم يذكر اسم الجنة أو النار.<ref>مصباح | وقد اشتهر بين الأنبياء أن يحيى (ع) كان يتأثر بالموعظة بسرعة شديدة، ويظهر عليه انفعال واضطراب عميق. حتى أن زكريا (ع) كان إذا أراد وعظ بني إسرائيل، ينظر يمينًا ويسارًا، فإذا كان يحيى حاضرًا، لم يذكر اسم الجنة أو النار.<ref>مصباح اليزدي، محمد تقي، پندهاي الاهي، قم، معهد الإمام الخميني للتعليم والبحوث، 1391، ص22.</ref> | ||
الصابئة المندائيون، الذين ذُكر اسمهم ثلاث مرات في القرآن، هم أتباع يحيى (ع)، ويعتبر التعميد من طقوسهم الرئيسية.<ref> | الصابئة المندائيون، الذين ذُكر اسمهم ثلاث مرات في القرآن، هم أتباع يحيى (ع)، ويعتبر التعميد من طقوسهم الرئيسية.<ref>حيدري سودجاني، الله يار، بررسي تطبيقي داستان حضرت يحيي(ع) وپيروانش در قرآن، روايات وعهد جديد، رسالة ماجيستر، جامعة قم، كلية الإهيات والمعارف الإسلامية، 1392.</ref> وقال العلامة الطباطبائي: لعل الصابئة الموحّدين هم أتباع يحيى.<ref>الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم،إسماعيليان، بدون تاريخ، ج14، ص358.</ref> | ||
==يحيى في القرآن== | ==يحيى في القرآن== | ||
ذكر القرآن أن زكريا (ع) دعا في شيخوخته أن يرزقه الله ولدًا طاهرًا زكيًا،<ref> | ذكر القرآن أن زكريا (ع) دعا في شيخوخته أن يرزقه الله ولدًا طاهرًا زكيًا،<ref>سورة آل عمران، الآيتان 38 و39. سورة مريم آيات 3 تا 6.</ref> فاستجاب الله دعاءه وسمّى الولد "يحيى".<ref>سورة مريم، الآية 7؛ سورة آل عمران الآية 39؛ سورة الأنبياء، الآيتان 89 و90.</ref> وكان زكريا زوج خالة مريم (ع)، ويُقال إنّه عندما رأى كراماتها،<ref>سورة آل عمران، الآية 37.</ref> انبعث فيه الأمل فدعا الله أن يرزقه ولدًا.<ref>القرآن الكريم، ترجمة وتعليق: محمد علي كوشا، طهران، ني، 1401، ص54.</ref> | ||
===الأوصاف والألقاب=== | ===الأوصاف والألقاب=== | ||
ذُكر اسم يحيى في القرآن (الآية 86 من سورة الأنعام) مع موسى (ع)، وهارون، وزكريا، وعيسى (ع)، وإلياس، وعدد من الأنبياء الآخرين، | ذُكر اسم يحيى في القرآن (الآية 86 من سورة الأنعام) مع موسى (ع)، وهارون، وزكريا، وعيسى (ع)، وإلياس، وعدد من الأنبياء الآخرين، حيث اعتبرهم القرآن من الصالحين والأنبياء.<ref>خرمشاهي، قوام الدين، «يحيي»، دانشنامه قرآن وقرآن پژوهي (موسوعة القرآن والبحوث القرآنية)، إشراف: بهاء الدين خرمشاهي، ج2، ص2368.</ref> | ||
وفي الآيات 12 - 15 من سورة مريم، ذُكرت عشر نعم أنعم الله بها على يحيى: | وفي الآيات 12 - 15 من سورة مريم، ذُكرت عشر نعم أنعم الله بها على يحيى: | ||
1. "وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا" (منحناه الفطنة والحكمة في الصغر). | 1. "وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا" (منحناه الفطنة والحكمة في الصغر). | ||
2. "وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا" (منحناه رحمة ومحبة تجاه الخلق). | 2. "وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا" (منحناه رحمة ومحبة تجاه الخلق). | ||
3. "وَزَكَاةً" (منحناه طهارة الروح والعمل). | 3. "وَزَكَاةً" (منحناه طهارة الروح والعمل). | ||
4. "وَكَانَ تَقِيًّا" (كان يتقي مخالفة أمر ربه). | 4. "وَكَانَ تَقِيًّا" (كان يتقي مخالفة أمر ربه). | ||
5. "وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ" (كان بارًا بوالديه). | 5. "وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ" (كان بارًا بوالديه). | ||
6 و7. "وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا" (لم يكن متكبرًا عاصيًا). | 6 و7. "وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا" (لم يكن متكبرًا عاصيًا). 8 و9 و10. "وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا".<ref>مكارم الشيرازي، ناصر، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، قم، مدرسة الإمام علي بن أبي طالب (ع)، 1379ش، ج9، ص416.</ref> | ||
ومن الألقاب اللافتة التي وردت في القرآن عن يحيى كلمة "حَصُور"، التي ذُكرت مرة واحدة في الآية 39 من سورة آل عمران. "حَصُور" مشتقة من "الحَصْر" بمعنى "الحبس"، أي الذي يحبس نفسه عن الشهوات. وقد تُستخدم للإشارة إلى الامتناع عن الزواج. وتدلّ هذه الصفة ليحيى (ع) في القرآن على أعلى درجات العفّة والطهارة، أو أنّه -مثل عيسى (ع)- اضطر إلى العزوبة بسبب ظروف حياته وترحاله الدعوي. ويرجّح أن "حَصُور" تعني الزهد الشديد وترك شهوات الدنيا.<ref> | ومن الألقاب اللافتة التي وردت في القرآن عن يحيى كلمة "حَصُور"، التي ذُكرت مرة واحدة في الآية 39 من سورة آل عمران. "حَصُور" مشتقة من "الحَصْر" بمعنى "الحبس"، أي الذي يحبس نفسه عن الشهوات. وقد تُستخدم للإشارة إلى الامتناع عن الزواج. وتدلّ هذه الصفة ليحيى (ع) في القرآن على أعلى درجات العفّة والطهارة، أو أنّه -مثل عيسى (ع)- اضطر إلى العزوبة بسبب ظروف حياته وترحاله الدعوي. ويرجّح أن "حَصُور" تعني الزهد الشديد وترك شهوات الدنيا.<ref>مكارم الشيرازي، ناصر، لغات در تفسير نمونه، قم، الإمام علي بن أبي طالب (ع)، 1387، ص187.</ref> وقال بعضهم إن الكلمة تشير إلى التقوى الصارمة أو ضبط النفس.<ref>مكوند، محمود، فلاح پور، أمير حسين، «بازخواني مفهوم قرآني «حصور» در توصيف يحيي نبي(ع)»، في مجلة مطالعات قرآني وفرهنگ اسلامي» الدورة 4، رقم 4، (شتاء 1399).</ref> | ||
===مصدّقًا بكلمة من الله=== | ===مصدّقًا بكلمة من الله=== | ||
من ألقاب يحيى في القرآن: {{قرآن|مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ}} (آل عمران: 39)، أي أنه يصدّق "كلمة الله" (المسيح عيسى).<ref> | من ألقاب يحيى في القرآن: {{قرآن|مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ}} (آل عمران: 39)، أي أنه يصدّق "كلمة الله" (المسيح عيسى).<ref>المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، بيروت، مؤسسة الوفا، 1403ه، ج14، ص169؛ السيد بن طاووس، سعد السعود، قم، دار الذخائر، ص221.</ref> تشير هذه العبارة إلى أنّ يحيى (ع) كان من دُعاة دين عيسى (ع)، والمقصود بـ"الكلمة" هنا هو عيسى (ع)، الذي وصفه القرآن في نفس السورة بأنه "كلمة الله".<ref>الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم، إسماعيليان، بدون تاريخ، ج3، ص176.</ref> كان يحيى أكبر من عيسى بستّة أشهر، وكان أول من صدّق نبوته ودعا إليه، ولما كان مشهورًا بالزهد والطهارة، كان تأييده للمسيح (ع) ذا تأثير عميق في الناس.<ref>مكارم الشيرازي، ناصر، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، قم، مدرسة الإمام علي بن أبي طالب (ع)، 1379ش، ج2، ص485.</ref> | ||
===إيتاؤه الحُكمَ في الصغر=== | ===إيتاؤه الحُكمَ في الصغر=== | ||
ذكر القرآن أن يحيى أُعطي "الحُكم" في طفولته: {{قرآن|وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا}} (مريم: 12). فُسّر "الحُكم" هنا بالفهم والعقل، أو بالحكمة، أو بمعرفة آداب الخدمة، أو بالفَراسة الصادقة، أو حتى بالنبوة. ويرى العلامة الطباطبائي أنّ الآيات القرآنية التي وردت فيها كلمة "حُكم" تُستخلص منها أن "الحُكم" غير النبوة، وأنّ تفسيرها بالنبوة ليس تفسيرًا صحيحًا. كما أنّ تفسيرها بمعرفة آداب الخدمة أو الفراسة الصادقة أو العقل - كل ذلك غير سليم؛ لأنّه لا يوجد في اللفظ القرآني ولا في المعنى ما يدلّ على أيّ من هذه المعاني.<ref> | ذكر القرآن أن يحيى أُعطي "الحُكم" في طفولته: {{قرآن|وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا}} (مريم: 12). فُسّر "الحُكم" هنا بالفهم والعقل، أو بالحكمة، أو بمعرفة آداب الخدمة، أو بالفَراسة الصادقة، أو حتى بالنبوة. ويرى العلامة الطباطبائي أنّ الآيات القرآنية التي وردت فيها كلمة "حُكم" تُستخلص منها أن "الحُكم" غير النبوة، وأنّ تفسيرها بالنبوة ليس تفسيرًا صحيحًا. كما أنّ تفسيرها بمعرفة آداب الخدمة أو الفراسة الصادقة أو العقل - كل ذلك غير سليم؛ لأنّه لا يوجد في اللفظ القرآني ولا في المعنى ما يدلّ على أيّ من هذه المعاني.<ref>الطباطبائي، محمد حسين، ترجمة الميزان، قم، جمعية مدرسي الحوزة العلمية، 1374، ج14، ص23.</ref> فالمراد بالحُكم هنا هو العلم بالمعارف الحقيقية الإلهية، وكشف الحقائق المُستترة في غيب الأمور، والتي تكون خفيةً عن الإدراك العادي.<ref>الطباطبائي، محمد حسين، ترجمة الميزان، قم، جمعية مدرسي الحوزة العلمية، 1374، ج14، ص23.</ref> | ||
بينما يرى بعض المفسرين أن "الحُكم" يعني الفهم العميق للتوراة والتفقّه في أحكام الدين،<ref> | بينما يرى بعض المفسرين أن "الحُكم" يعني الفهم العميق للتوراة والتفقّه في أحكام الدين،<ref>الكاشاني، فتح الله بن شكر الله، منهج الصادقين في إلزام المخالفين، طهران، مكتبة الإسلامية، بدون تاريخ، ج5، ص384.</ref> أو البصيرة والحكمة والفِطنة والفهم الصحيح للشريعة.<ref>القرآن الكريم، ترجمة وتعليق: محمد علي كوشا، طهران، ني، 1401، ص306.</ref> أما الطبرسي فقد فسّرها بالنبوة.<ref>الطبرسي، الفضل بن الحسن، ترجمة تفسير جوامع الجامع، ترجمة: علي عبد الحميدي وآخرون، مشهد، العتبة الرضوية، 1375، ج4، ص30.</ref> | ||
===الكتاب=== | ===الكتاب=== | ||
خاطب القرآن يحيى بقوله: {{قرآن|يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ}} (مريم: 12). والمشهور بين المفسّرين أنّ "الكتاب" هنا هو التوراة، بل ادّعى بعضهم الإجماع على ذلك. لكن البعض احتمل أن يكون ليحيى كتاب خاص به (مثل زبور داود)، لكن ليس كتابًا يشمل شريعة جديدة.<ref> | خاطب القرآن يحيى بقوله: {{قرآن|يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ}} (مريم: 12). والمشهور بين المفسّرين أنّ "الكتاب" هنا هو التوراة، بل ادّعى بعضهم الإجماع على ذلك. لكن البعض احتمل أن يكون ليحيى كتاب خاص به (مثل زبور داود)، لكن ليس كتابًا يشمل شريعة جديدة.<ref>مكارم الشيرازي، ناصرالأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، قم، مدرسة الإمام علي بن أبي طالب (ع)، 1379ش، ج9، ص415 - 416.</ref> ويبدو من سياق الآية أن المقصود بـ "أخذ الكتاب بقوة" هو تحقيق معارفه، وتطبيق أوامره وأحكامه بعزمٍ واهتمامٍ.<ref>الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم، إسماعيليان، بدون تاريخ، ج14، ص19.</ref> | ||
===تشابه يحيى وعيسى=== | ===تشابه يحيى وعيسى=== | ||
سمّى الله ولد زكريا يحيى، وولد مريم عيسى. وكلمة يحيى تعني "يبقى حيًا" وكلمة عيسى كذلك كما قيل تحمل هذا المعنى. فقد سمّى يحيى كلمة، وعيسى أيضا سمّاه كلمة وقال: {{قرآن|بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى}}. وآتاه الحكم وعلّمه الكتاب في طفولته، وآتى عيسى الحكم والكتاب أيضا. ووصفه بمحبة الهية، بينما وصف عيسى بأنّه بارّ بأمّه. | سمّى الله ولد زكريا يحيى، وولد مريم عيسى. وكلمة يحيى تعني "يبقى حيًا" وكلمة عيسى كذلك كما قيل تحمل هذا المعنى. فقد سمّى يحيى كلمة، وعيسى أيضا سمّاه كلمة وقال: {{قرآن|بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى}}. وآتاه الحكم وعلّمه الكتاب في طفولته، وآتى عيسى الحكم والكتاب أيضا. ووصفه بمحبة الهية، بينما وصف عيسى بأنّه بارّ بأمّه. | ||
كذكل سمّاه زكاة، وجعل عيسى مأمورا بالزكاة. وسلّم عليه في ثلاث مواطن، وسلّم على عيسى أيضا. وسمّاه سيّدًا، وسمّى عيسى وجيهًا عند الله. ووصفه بأنّه حَصور ونبيّ من الصالحين، وكذلك كان عيسى. | |||
وكل ذلك كان لإجابة دعاء زكريا حين طلب ولدًا طيبًا ووليًّا مرضيًا مقبولًا، ولكي يمنحه ما أنعم به من الكرامات التي ظهرت في مريم.<ref> | وكل ذلك كان لإجابة دعاء زكريا حين طلب ولدًا طيبًا ووليًّا مرضيًا مقبولًا، ولكي يمنحه ما أنعم به من الكرامات التي ظهرت في مريم.<ref>الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم، إسماعيليان، بدون تاريخ، ج3، ص176.</ref> | ||
//////////////////// | //////////////////// | ||
==استشهاده== | ==استشهاده== | ||
لم يرد في القرآن الكريم شيء عن مقتل يحيى، ولكن في الأخبار والتفسيرات ورد أن "هيرودس" ملك فلسطين وقع في حبّ "هيروديا" ابنة أخيه، وقرّر الزواج منها! فأعلن النبي يحيى (ع) صراحة أن هذا الزواج غير شرعيّ، وأنّه سيقوم بمعارضة مثل هذا الفعل. ورأت الفتاة أن يحيى هو أكبر عائق في طريقها، فقرّرت الانتقام منه عند أول فرصة؛ فوطّدت علاقتها بعمّها أكثر، وجعلت من جمالها فخًا له. وفي يوم قالت له: لا أريد شيئًا سوى رأس يحيى! فـ"هيرودس" الذي كان يحبّ تلك المرأة حبًا جنونيًا، استسلم دون اكتراث لعواقب هذا الفعل، ولم يمض وقت طويل حتى قدّموا رأس يحيى أمام تلك المرأة الشريرة، لكن العواقب المؤلمة لهذا الفعل طالته في النهاية.<ref> | لم يرد في القرآن الكريم شيء عن مقتل يحيى، ولكن في الأخبار والتفسيرات ورد أن "هيرودس" ملك فلسطين وقع في حبّ "هيروديا" ابنة أخيه، وقرّر الزواج منها! فأعلن النبي يحيى (ع) صراحة أن هذا الزواج غير شرعيّ، وأنّه سيقوم بمعارضة مثل هذا الفعل. ورأت الفتاة أن يحيى هو أكبر عائق في طريقها، فقرّرت الانتقام منه عند أول فرصة؛ فوطّدت علاقتها بعمّها أكثر، وجعلت من جمالها فخًا له. وفي يوم قالت له: لا أريد شيئًا سوى رأس يحيى! فـ"هيرودس" الذي كان يحبّ تلك المرأة حبًا جنونيًا، استسلم دون اكتراث لعواقب هذا الفعل، ولم يمض وقت طويل حتى قدّموا رأس يحيى أمام تلك المرأة الشريرة، لكن العواقب المؤلمة لهذا الفعل طالته في النهاية.<ref>مكارم الشيرازي، ناصرالأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، قم، مدرسة الإمام علي بن أبي طالب (ع)، 1379ش، ج9، ص420 - 421؛ وكذلك انظر: جمع من علماء ماوراء النهر، ترجمة تفسير الطبري، (القصص)، تحقيق: جعفر مدرس صادقي، طهران، مركز، 1393، ص188.</ref> | ||
وبحسب بعض المصادر فإنّ اسم هذه المرأة هو " | وبحسب بعض المصادر فإنّ اسم هذه المرأة هو "ازبيل" التي كانت زوجة الحاكم، وأرادت تزويج ابنتها (من زوجها السابق) للحاكم، لكن يحيى عارض ذلك، فطلبت هذه المرأة من الحاكم رأس يحيى، وقامت بقطع حلقومه بنفسها.<ref>عتيق النيشابوري، أبو بكر، قصص قرآن مجيد، بالاقتباس من تفسير سورآبادي، إعداد: يحيى مهدوي، طهران، خوارزمي، 1392، ص227.</ref> | ||
وقد قال الإمام الحسين (ع) عن يحيى: "إنّ من هوان الدنيا أن يهدى رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل".<ref> | وقد قال الإمام الحسين (ع) عن يحيى: "إنّ من هوان الدنيا أن يهدى رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل".<ref>مكارم الشيرازي، ناصر، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، قم، مدرسة الإمام علي بن أبي طالب (ع)، 1379ش، ج9، ص421.</ref> | ||
أما أوسكار وايلد (1854-1900م) الكاتب المسرحي الأيرلندي الشهير، فقد كتب مسرحية بعنوان "سالومي" مستوحاة من قصة يحيى في العهد الجديد.<ref> | أما أوسكار وايلد (1854-1900م) الكاتب المسرحي الأيرلندي الشهير، فقد كتب مسرحية بعنوان "سالومي" مستوحاة من قصة يحيى في العهد الجديد.<ref>وايلد، اسكار، سالومه، ترجمة: سيروس بهروزي، مقدمة المترجم، طهران، سازمان كتابهاي جيبي، 1342.</ref> |
تعديل